برتقالية

بُرْتُقَاليةً تدخلُ الشمس في البحرِ
والبرتقالةُ قنديلُ ماءٍ على شَجَرٍ باردٍ
برتقاليةً، تَلِدُ الشمسُ طفلَ الغروب الإلهيَّ
والبرتقالةُ,إحدى وصيفاتها، تتأمَّلُ مجهولها
~~~
برتقاليةً, تسكب الشمسُ سائلها في فم البحرِ
والبرتقالةُ خائفة من فمٍ جائعٍ
برتقاليةً، تدخل الشمسُ في دورة الأبديّةِ
والبرتقالةُ تحظى بتمجيد قاتِلِها
تلك فاكهةٌ مثل حَبَّة شمسٍ
تُقَشَّرُ باليد والفمِ، مَبْحُوحَةُ الطعمِ
ثرثارةُ العطر سكري بسائلها
لونها لا شبيهَ له غيرها
لونها صِفَةُ الشمس في نومها
لونها طعمها: حامضٌ سُكَّريٌّ
غنيٌّ بعافية الضوء والفيتامين سي
وليس على الشعر من حَرَجٍ إنْ
تلعثم في سَرْدِهِ، وانتبهْ
إلى خَلَلٍ رائعٍ في الشَّبَهْ
قصيدة شاعر فلسطين محمود درويش

الكمنجات

الكَمَنجاتُ تَبْكى مَعَ الغَجَرِ الذَّاهِبِينَ إلى الأنْدَلسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكى على العَرَبِ الْخَارِجِينَ مِنَ الأنْدلُسْ
~~~
الكَمَنجاتُ تَبْكى على زَمَنٍ ضائعٍ لا يَعودْ
الكَمَنجاتُ تَبْكى على وَطَنٍ ضائعٍ قَدْ يَعودْ
~~~
الكَمَنجاتُ تُحْرقُ غَاباتِ ذَاكَ الظلَامِ الْبعيدِ الْبعيدْ
الكَمَنجاتُ تدْمي الْمُدى، وَتَشُمُّ دَمِى في الْوريدْ
~~~
الكَمَنجاتُ تَبْكى مَعَ الْغَجِر الذَّاهبينَ إلى الأَنْدَلُسْ
الكَمَنجاتُ تَبْكى على الْعَرَب الْخارِجِينَ منَ الأَنْدلُسْ
~~~
الكَمَنجاتُ خَيْلٌ على وَتَرٍ من سرابٍ وماءٍ يَئنُّ
الكَمَنجاتُ حَقْلٌ مِنَ اللَّيْلكِ الْمُتوحِّش يَنْأَى وَيَدْنو
~~~
الكَمَنجاتُ وَحْشٌ يُعَذِّبُهُ ظُفْرُ إمرة مَسَّهُ، وابْتَعَدْ
الكَمَنجاتُ جَيْشٌ يُعَمِّرُ مَقْبَرَةً منْ رُخامٍ ومنْ نَهَوَنْدْ
~~~
الكَمَنجاتُ فَوْضى قُلوب تُجنِّنُها الرِّيحُ في قَدَمِ الرَّاقِصَةْ
الكَمَنجاتُ أْسْرابُ طيْرٍ تفرُّ منَ الرَّايَة النَّاقِصَةْ
~~~
الكَمَنجاتُ شَكْوى الْحَرير المُجَعِّد فى لَيْلَةِ الْعاشقَةْ
الكَمَنجاتُ صَوْتُ النبيذ الْبعيدِ على رغْبَةٍ سابِقَةْ
~~~
الكَمَنجاتُ تَتْبعُني ههُنا وهناكَ لتثأر مَنِّي
الكَمَنجاتُ تَبْحَثُ عنِّى لتقتلني، أَيْنما وَجَدتْني
~~~
الكَمَنجاتُ تَبْكى على الْعَربِ الْخارجينَ مِنَ الأَندلُسْ
الكَمَنجاتُ تبكى مع الغجر الذَّاهبينَ إلى الأنْدَلُسْ
قصيدة محمود درويش

وأما الربيع

وأَمَّا الربيعُ فما يكتب الشعراءُ السكارى
إذا أَفلحوا في التقاط الزمان السريع
بصُنَّارة الكلمات – وعادوا إلى صحوهم سالمين
قليلٌ من البرد في جَمْرَةِ الجُلَنار
يُخفِّفُ من لسعة النار في الاستعارة
لو كنتُ أَقربَ منكِ إلى
لقبَّلْتُ نفسي
قليلٌ من اللون في زهرة اللوز يحمي
السماوات من حجَّة الَوثنَيَّ الأخيرة
مهما اختلفنا سَندْرِكُ أَنَّ السعادة
ممكنةٌ مثل هَزَّةِ أرضٍ
قليلٌ من الرقص في مهرجان الزواج الإباحي
بين النباتات سوف ينشِّط دورتنا الدمويَّة
لا تعرف البذرة الموت
مهما ابتعدنا
ولا تخجلُ الأبديَّةُ من أَحَدٍ
حين تمنَحُ عانَتَها للجميع
هنا – في الربيع السريع
قصيدة محمود درويش

فراغ فسيح

فراغ فسيح. نحاس. عصافير حنطيَّة
اللون. صفصافَة. كَسَل. أفق مهْمَل
كالحكايا الكبيرة. أَرض مجعَّدة الوجه
صَيْف كثير التثاؤب كالكلب في ظلِّ
زيتونة يابس عرَق في الحجارة
شمس عمودية لا حياة ولا موت
حول المكان جفاف كرائحة الضوء في القمح
لا ماء في البئر و القلب
لا حبَّ في عَمَل الحبِّ – كالواجب الوطنيِّ
هو الحبّ صحراء غير سياحيَّةٍ غير
مرئيَّةٍ خلف هذا الجفاف جفاف
كحرية السجناء بتنظيف أعلامهم من
براز الطيور جفاف كحقِّ النساء
بطاعة أزواجهنَّ وهجر المضاجع, لا
عشب أَخضر، لا عشب أَصفر, لا
لون في مَرَض اللون, كلّ الجهات
رمادٌية
لا انتظارٌ إذاً
للبرابرة القادمين إلينا
غداة احتفالاتنا بالوطنْ
أشعار محمود درويش

قراءة في وجه حبيبتي

وحين أُحدِّق فيك
أرى مُدناً ضائعة
أرى زمناً قرمزياً
أرى سبب الموت والكبرياء
أرى لغة لم تسجّل
وآلهة تترجل
أمام المفاجأة الرائعة
وتنتشرين أمامي
صفوفاً من الكائنات التي لا تُسمى
وما وطني غير هذي العيون التي
تجعل الأرضَ جسما
وأسهر فيك على خنجر
واقفٍ في جبين الطفولة
هو الموت مفتتح الليلة الحلوة القادمة
وأنتِ جميلة
كعصفورة نادمة
وحين أحدِّقُ فيكِ
أرى كربلاء
ويوتوبيا
والطفولة
وأقرأ لائحة الأنبياء
وسفر الرضا والرذيلة
أرى الأرض تلعب
فوق رمال السماءْ
من البحر
والشرفات البخيلة
!
أبيات محمود درويش