ثلاث صور

كان القمر
كعهده منذ ولدنا باردا
الحزن في جبينه مرقرق
روافدا روافدا
قرب سياج قرية
خر حزينا
شاردا
كان حبيبي
كعهده منذ التقينا ساهما
الغيم في عيونه
يزرع أفقا غائما
والنار في شفاهه
تقول لي ملاحما
ولم يزل في ليله يقرأ شعرا حالما
يسألني هديه
وبيت شعر ناعما
كان أبي
كعهده محملا متاعبا
يطارد الرغيف أينما مضى
لأجله يصارع الثعالبا
ويصنع الأطفال
والتراب
والكواكبا
أخي الصغير اهترأت
ثيابه فعاتبا
وأختي الكبرى اشترت جواربا
وكل من في بيتنا يقدم المطالبا
ووالدي كعهده
يسترجع المناقبا
ويفتل الشواربا
ويصنع الأطفال
والتراب
والكواكبا
أبيات محمود درويش

كنت أحب الشتاء

كُنْتُ في ما مضى أَنحني للشتاء احتراماً
وأصغي إلى جسدي مَطَرٌ مطر كرسالة
حب تسيلُ إباحيَّةٌ من مُجُون السماء
شتاءٌ نداءٌ صدى جائع لاحتضان النساء
هواءٌ يُرَى من بعيد على فرس تحمل
الغيم بيضاءَ بيضاءَ كنت أُحبُّ
الشتاء وأَمشي إلى موعدي فرحاً
مرحاً في الفضاء المبلِّل بالماء كانت
فتاتي تنشِّفُ شعري القصير بشعر طويل
تَرَعْرَعَ في القمح والكستناء ولا تكتفي
بالغناء أنا والشتاء نحبُّكَ فابْقَ
إذاً مَعَنا وتدفئ صدري على
شادِنَيْ ظبيةٍ ساخنين وكنت أُحبُّ
الشتاء وأسمعه قطرة قطرة
مطر مطر كنداءٍ يُزَفَ إلى العاشق
أُهطلْ على جسدي لم يكن في
الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر
كان البدايةَ كان الرجاءَ فماذا
سأفعل والعمر يسقط كالشَّعْر
ماذا سأفعل هذا الشتاء
قصيدة محمود درويش

مرثية

لملمت جرحك يا أبي
برموش أشعاري
فبكت عيون الناس
من حزني و من ناري
وغمست خبزي في التراب
وما التمست شهامة الجار
وزرعت أزهاري
في تربة صماء عارية
بلا غيم و أمطار
فترقرقت لما نذرت لها
جرحا بكى برموش أشعاري
عفوا أبي
قلبي موائدهم
وتمزقي و تيتمي العاري
ما حيلة الشعراء يا أبتي
غير الذي أورثت أقداري
إن يشرب البؤساء من قدحي
لن يسألوا
من أي كرم خمري الجاري
شعر رثاء محمود درويش للأب

ليلك من ليلك

يجلسُ الليلُ حيث تكونين ليلُك من
لَيْلَكٍ بين حين وآخر تُفْلتُ إيماءة
من أَشعَّة غمَّازتَيْك فتكسر كأسَ النبيذ
وتُشْعل ضوء النجوم وليلُك ظِلُّكِ
قطعةُ أرضٍ خرافيَّةٍ للمساواة ما بين
أَحلامنا ما أَنا بالمسافر أَو بالمُقيم على
لَيْلكِ الليلكيِّ أَنا هُوَ مَنْ كان يوماً
أَنا كُلَّما عَسْعَسَ الليلُ فيك حَدَسْتُ
بمَنْزلَةِ القلب ما بين مَنْزلَتَيْن فلا
النفسُ ترضى ولا الروحُ ترضى وفي
جَسَدَيْنا سماءٌ تُعانق أَرضاً وكُلُّك
ليلُكِ لَيْلٌ يشعُّ كحبر الكواكب.لَيْلٌ
على ذمَّة الليل يزحف في جسدي
خَدَراً على لُغَتي كُلَّما اتَّضَحَ اُزدَدْتُ
خوفاً من الغد في قبضة اليد ليلٌ
يُحدَّقُ في نفسه آمناً مطمئناً إلى لا
نهاياته لا تحفُّ به غيرُ مرآته
وأَغاني الرُعاة القُدَامى لصيف أَباطرةٍ
يمرضون من الحبِّ ليل ترعرع في شِعْرِهِ
الجاهليِّ على نزوات امرئ القيس والآخرين
ووسَّع للحالمين طريقَ الحليب إلى قمرٍ
جائعٍ في أَقاصي الكلام
قصائد شاعر فلسطين محمود درويش

صوت وسوط

لو كان لي برج
حبست البرق في جيبي
وأطفأت السحاب
لو كان لي في البحر أشرعة
أخذت الموج و الإعصار في كفّي
ونوّمت العباب
لو كان عندي سلّم
لغرست فوق الشمس رايتي التي
اهترأت على الأرض الخراب
لو كان لي فرس
تركت عنانها
ولجمت حوذيّ الرياح على الهضاب
لو كان لي حقل و محراث
زرعت القلب و الأشعار
في بطن التراب
لو كان لي عود
ملأت الصمت أسئلة ملحّنة
وسلّيت الصحاب
لو كان لي قدم
مشيت مشيت حتى الموت
من غاب لغاب
لو كان لي
حتى صليبي ليس لي
إنّي له
حتى العذاب
ماذا تبقّى أيّها المحكوم؟
إنّ الليل خيّم مرّة أخرى
وتهتف لا أهاب
يا سيداتي سادتي
يا شامخين على الحراب
الساق تقطع و الرقاب
والقلب يطفأ لو أردتم
والسحاب
يمشي على أقدامكم
والعين تُسمل و الهِضاب
تنهار لو صحتم بها
ودمي المملّح بالتراب
إن جفّ كرمكم
يصير إلى شراب
والنيل يسكب في الفرات
إذا أردتم و الغراب
لو شئتم في الليل شاب
لكنّ صوتي صاح يوما
لا أهاب
فلتجلدوه إذا استطعتم
واركضوا خلف الصدى
ما دام يهتف: لا أهاب
قصيدة محمود درويش

اللامبالي

لا يبال بشيء إذا قطعوا الماء
عن بيته قال لا بأس إن الشتاء
قريب وإن أوقفوا ساعة الكهرباء
تثاءب لا بأس فالشمس تكفي
وإن هددوه بتخفيض راتبه قال لا
بأس سوف أصوم عن الخمر
والتبغ شهراً وإن أخذوه إلى السجن
قال ولا بأس أخلو قليلاً إلى النفس
في صحبة الذكريات
وإن أرجعوه إلى بيته قال
لا بأس فالبيت بيتي
وقلت له مرة غاضباً كيف تحيا غداً
قال لا شأن لي بغدي إنه فكرة
لا تراودني وأنا هكذا هكذا لن
يغيرني أي شيء كما لم أغير أنا
أي شيء فلا تحجب الشمس عني
فقلت له لستُ اسكند المتعالي
ولست ديوجين
فقال ولكن في اللامبالاة فلسفة
إنها صفة من صفات الأمل
قصيدة محمود درويش