السروة انكسرت

السروةُ إنكسَرَتْ كمئذنةٍ، ونامت في
الطريق على تَقَشُّف ظِلِّها، خضراءَ، داكنةً،
كما هِيَ. لم يُصَبْ أَحدٌ بسوء. مَرّت
العَرَباتُ مُسْرِعَةً على أغصانها. هَبَّ الغبارُ
على الزجاج السروةُ انكسرتْ، ولكنَّ
الحمامة لم تغيِّر عُشَّها العَلَنيَّ في دارٍ
مُجَاورةٍ. وحلّق طائران مهاجران على
كَفَاف مكانها، وتبادلا بعضَ الرموز.
وقالت امرأةٌ لجارتها تُرَى، شأهَدْتِ عاصفةً؟
فقالت لا، ولا جرَّافةً والسروةُ
انكسرتْ. وقال العابرون على الحُطام
لعلَّها سَئِمَتْ من الإهمال أَو هَرِمَتْ
من الأيّام، فَهْيَ طويلةٌ كزرافةٍ، وقليلةُ
المعنى كمكنسةِ الغبار، ولا تُظَلِّلُ عاشِقَيْن.
وقال طفلٌ كنتُ أَرسمها بلا خطأ،
فإنَّ قوامَها سَهْلٌ. وقالت طفلةٌ إن
السماءَ اليوم ناقصةٌ لأن السروةٌ انكسرت.
وقال فتىً ولكنَّ السماءَ اليوم كاملةٌ
لأن السروةَ انكسرتْ. وقُلْتُ أَنا
لنفسي لا غُموضَ ولا وُضُوحَ،
السروة انكسرتْ، وهذا كُلُّ ما في
الأمرِ إنَّ السروة انكسرتْ.
من قصائد محمود درويش

وقوع الغريب على نفسه في الغريب

لا اسمَ لنا يا غريبةُ عند وُقُوع
الغريب على نفسه في الغريب لَنَا من
حديقتنا من أرض ليلك ولتُبْطِني
وما تشائين . جئنا على عَجَلٍ من غروب
مكانين في زمن واحد وبحثنا معاً
عن عناويننا: فاذهبي خَلْف ظلِّك
شَرْقَ نشيد الأَناشيد راعيةً للقطا
تجدي نجمةً سَكَنَتْ موتها فاصعدي جَبَلاً
مُهْمَلاً تجدي أَمسِ يُكْمِلُ دورتَهُ في غدي
تجدي أَين نكون معاً
واحدٌ نحن في اُثنين
فاذهب إلى البحر غَرْبَ كتابك
واغطُسْ خفيفاً خفيفاً كأنَّك تحمل
نَفْسَكَ عند الولادة في موجتين
تجدْ غابةً من حشائش مائيةٍ خفيفاً
خفيفاً كأنك لا شيء في أَيَّ سيء
تجدنا معاً
واحدٌ نحن في اُثنين
فاذهب إلى البحر غَرْبَ كتابك
واغطُسْ خفيفاً كأنَّك تحمل
نَفْسَكَ عند الولادة في موجتين
تجدْ غابةً من حشائش مائيةٍ وسماءً
من الماء كأنك لا شيء في أَيَّ شيء
تجدنا معاً
واحدٌ نحن في اُثنين
ينقُصُنا أَن نرى كيف كنا هنا يا
غريبةُ ظلِّين ينفتحانِ وينغلقانِ على ما
تشكَّل من شكلنا يختفي ثم يظهَرُ
في جَسَدٍ يختفي في التباس الثنائية
الأَبدية ينقُصُنا أَن نعودَ إلى اُثنين
كي نتعانق أكثر لا اسم لنا يا غريبة
عند وقوع الغريب على نفسه في الغريب
قصيدة محمود درويش

وأنتِ معي

وأنتِ معي لا أَقول هنا الآن
نحن معاً بل أَقول أَنا أَنتِ
والأَبديةُ نسبح في لا مكانْ
هواءٌ وماءٌ نفكُّ الرموز نُسَمِّي
نُسَمَّى ولا نتكلّم إلاّ لنعلم كم
نَحْنُ نَحْنَ وننسى الزمانْ
ولا أَتذكَّرُ في أَيَّ أرضٍ وُلدتِ
ولا أَتذكر من أَيّ أَرض بُعثتُ
هواءٌ وماء ونحن على نجمة طائرانْ
وأَنتِ معي يَعْرَقُ الصمتُ يغرورقُ
الصَّحْوْ بالغيم، والماءُ يبكي الهواء
على نفسه كلما اُتَّحد الجسدانْ
ولا حُبَّ في الحبِّ
لمنه شَبَقُ الروح للطيرانْ
قصيدة حب محمود درويش

هكذا قالت الشجرة المهملة

خارج الطقس
أو داخل الغابة الواسعة
وطني
هل تحس العصافير أني لها
وطن أو سفر
إنني أنتظر
في خريف الغصون القصير
أو ربيع الجذور الطويل
زمني
هل تحس الغزالة أني لها
جسد أو ثمر
إنني أنتظر
في المساء الذي يتنزه بين العيون
أزرقا أخضرا أو ذهب بدني
هل يحسّ المحبّون أني لهم
شرفة أو قمر
إنني أنتظر
في الجفاف الذي يكسر الريح
هل يعرف الفقراء أنني
منبع الريح هل يشعرون بأني لهم
خنجر أو مطر
أنني أنتظر
خارج الطقس
أو داخل الغابة الواسعة
كان يهملني من أحب ولكنني
لن أودع أغصاني الضائعة
في رخام الشجر
إنني أنتظر
قصيدة شاعر فلسطين محمود درويش

وشم العبيد

روما على جلودنا
أرقام أسرى و السياط
تفكها إذا هوت، أو ترتخي
كان العبيد عزّلا
ففتتوا البلاط
بابل حول جيدنا
وشم سبايا عائدة
تغيرت ملابس الطاغوت
من عاش بعد الموت
لو آمنت.. لا يموت
متنا و عشنا، و الطريق واحدة
إفريقيا في رقصنا
طبل.. و نار حافية
وشهوة على دخان غانية
في ذات يوم.. أحسن العزف على
ناي الجذوع الهاوية
أنوّم الأفعى
وأرمي نابها في ناحية
فتلقي في رقصة جديدة.. جديدة
إفريقيا..وآسيه
قصيدة محمود درويش