ألا ما لمن أمسى يراك وللبدر

أَلا ما لِمَن أَمسى يَراكَ وَلِلبَدرُوَما لِمَكانٍ أَنتَ فيهِ وَلِلقَطرِ
تَجَلَّلتَ بِالتَقوى وَأُفرِدتَ بِالعُلاوَأُهَّلتَ لِلجُلّى وَحُلّيتَ بِالفَخرِ
وَقَلَّدتَني لَمّا اِبتَدَأتَ بِمِدحَتييَداً لا أُوَفّي شُكرَها أَبَدَ الدَهرِ
فَإِن أَنا لَم أَمنَحكَ صِدقَ مَوَدَّتيفَما لي إِلى المَجدِ المُؤَثَّلِ مِن عُذرِ
أَيا اِبنَ الكِرامِ الصَيدِ جاءَت كَريمَةًأَيا اِبنَ الكِرامِ الصَيدِ وَالسادَةِ الغُرِّ
فَضَلتَ بِها أَهلَ القَريضِ فَأَصبَحَتتَحِيَّةَ أَهلِ البَدوِ مُؤنِسَةَ الحَضرِ
وَمِثلُكَ مَعدومُ النَظيرِ مِنَ الوَرىوَشِعرُكَ مَعدومُ الشَبيهِ مِنَ الشِعرِ
كَأَنَّ عَلى أَلفاظِهِ وَنِظامِهِبَدائِعَ ماحاكَ الرَبيعُ مِنَ الزَهرِ
تَنَفَّسَ فيهِ الرَوضُ فَاِخضَلَّ بِالنَدىوَهَبَّ نَسيمُ الرَوضِ يُخبِرُ بِالفَجرِ
إِلى اللَهِ أَشكو مِن فِراقِكَ لَوعَةًطَوَيتُ لَها مِنّي الضُلوعَ عَلى جَمرِ
وَحَسرَةَ مُرتاحٍ إِذا اِشتاقَ قَلبُهُتَعَلَّلَ بِالشَكوى وَعادَ إِلى الصَبرِ
فَعُد يازَمانَ القُربِ في خَيرِ عيشَةٍوَأَنعَمِ بالٍ مابَدا كَوكَبٌ دُرّي
وَعِش يا اِبنَ نَصرٍ ما اِستَهَلَّت غَمامَةٌتَروحُ إِلى عِزٍّ وَتَغدو عَلى نَصرِ
قصيدة أبو فراس الحمداني

ينقضي العيش بين شوق ويأس

ينقَضي العَيْشُ بَيْنَ شَوْقٍ ويأْسِ – والمُنَى بَيْنَ لَوْعَةٍ وتَأَسِّ
هذِهِ سُنَّةُ الحَيَاةِ ونَفْسي – لا تَوَدُّ الرَّحيقَ في كأسِ رِجْسِ
مُلِئَ الدَّهْرُ بالخداعِ فكمْ قَدْ – ضَلَّلَ النَّاسَ مِنْ لإمامٍ وقسِّ
كلَّما أَسأَلُ الحَيَاةَ عن الحقِّ – تَكُفُّ الحَيَاةُ عن كلِّ هَمْسِ
لمْ أجدْ في الحَيَاةِ لحناً بديعاً – يَسْتَبيني سِوى سَكينَةِ نَفْسي
فَسَئِمْتُ الحياةَ إلاَّ غِراراً – تتلاشى بهِ أَناشيدُ يَأْسي
ناولتني الحَيَاةُ كأساً دِهاقاً – بالأَماني فما تناولْتُ كأْسي
وسَقَتْني من التَّعاسَةِ أَكْواباً – تَجَرَّعْتُها فيَا شدَّ تَعْسي
إنَّ في روضَةِ الحَيَاةِ لأَشْواكاً – بها مُزِّقَتْ زَنابِقُ نفسي
ضاعَ أَمسي وأَينَ منِّي أَمسي – وقَضَى الدَّهْرُ أَنْ أَعيشَ بيَأْسي
وقَضَى الحبُّ في سُكونٍ مُريعٍ – ساعَةَ الموتِ بَيْنَ سُخْطٍ وبُؤْسِ
لمْ تُخَلِّفْ ليَ الحَيَاةُ من الأَمسِ – سِوى لوعَةٍ تَهُبُّ وتُرْسي
تَتَهادَى مَا بَيْنَ غَصَّاتِ قلبي – بسُكُونٍ وبينَ أَوجاعِ نَفْسي
كَخيالٍ من عالَمِ الموتِ يَنْسابُ – بصَمْتٍ مَا بَيْنَ رَمْسٍ وَرَمْسِ
تِلْكَ أَوجاعُ مهجةٍ عَذَّبتها – في جحيمِ الحَيَاةِ أَطْيَافُ نَحْسِ
أبيات شاعر تونس أبو القاسم الشابي

أراك فتحلو لدي الحياة

أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ – ويملأُ نَفسي صَبَاحُ الأَملْ
وتنمو بصدري وُرودٌ عِذابٌ – وتحنو على قلبيَ المشْتَعِلْ
ويفْتِنُني فيكِ فيضُ الحَيَاةِ – وذاك الشَّبابُ الوديعُ الثَّمِلْ
ويفْتِنُني سِحْرُ تِلْكَ الشِّفاهْ – ترفرفُ مِنْ حَوْلهنَّ القُبَلْ
فأَعبُدُ فيكِ جمالَ السَّماءِ – ورقَّةَ وردِ الرَّبيعِ الخضِلْ
وطُهْرَ الثُّلوجِ وسِحْرَ المروج – مُوَشَّحَةً بشُعاعِ الطَّفَلْ
أَراكِ فأُخْلَقُ خلْقاً جديداً – كأنِّيَ لمْ أَبْلُ حربَ الوُجُودْ
ولم أَحتمل فيه عِبئاً ثقيلاً – من الذِّكْرَياتِ التي لا تَبيدْ
وأَضغاثِ أَيَّاميَ الغابراتِ – وفيها الشَّقيُّ وفيها السَّعيدْ
ويغْمُرُ روحِي ضِياءٌ رَفيقٌ – تُكلِّلهُ رائعاتُ الورودْ
وتُسْمِعُني هاتِهِ الكائِناتُ – رقيقَ الأَغاني وحُلْوَ النَّشيدْ
وتَرْقُصُ حَولي أَمانٍ طِرابٌ – وأَفراحُ عُمْرٍ خَلِيٍّ سَعيدْ
أَراكِ فتخفُقُ أَعصابُ قلبي – وتهتزُّ مِثْلَ اهتزازِ الوَتَرْ
ويُجري عليها الهَوَى في حُنُوٍّ – أَناملَ لُدْناً كرَطْبِ الزَّهَرْ
فتخطو أَناشيدُ قلبيَ سَكْرى – تغرِّدُ تَحْتَ ظِلالِ القَمَرْ
وتملأُني نشوةٌ لا تُحَدُّ – كأَنِّيَ أَصبحتُ فوقَ البَشَرْ
أَودُّ بروحي عِناقَ الوُجُودِ – بما فيهِ مِنْ أَنْفُسٍ أَو شَجَرْ
وليلٍ يفرُّ وفجرٍ يكرُّ – وغَيْمٍ يوَشِّي رداءَ السِّحَرْ
شاعر تونس أبو القاسم الشابي

لله ما أحلى الطفولة

لله مَا أَحْلى الطُّفولَةَ – إنَّها حلمُ الحياةْ
عهدٌ كَمَعْسولِ الرُّؤَى – مَا بينَ أجنحَةِ السُّبَاتْ
ترنو إلى الدُّنيا – ومَا فيها بعينٍ باسِمَهْ
وتَسيرُ في عَدَواتِ وَادِيها – بنَفْسٍ حَالمهْ
إنَّ الطّفولةَ تهتَزُّ – في قَلْبِ الرَّبيعْ
ريَّانةٌ مِنْ رَيِّقِ الأَنْداءِ – في الفَجْرِ الوَديعْ
غنَّت لها الدُّنيا – أَغاني حبها وحُبُورِهَا
فَتَأَوَّدَتْ نَشوى بأَحلامِ – الحَياةِ وَنُورِهَا
إنَّ الطُّفولَةَ حِقْبَةً – شعريَّةٌ بشُعُورِها
وَدُمُوعِها وسُرُورِها – وَطُمُوحِهَا وغُرُورِها
لمْ تمشِ في دنيا الكآبَةِ – والتَّعاسَةِ والعَذابْ
فترى على أضوائِها مَا في – الحَقيقَةِ مِنْ كِذَابْ
أشعار أبو القاسم الشابي شاعر الخضراء

اسكني يا جراح

اسْكُني يا جِراحْ – واسْكُتي يا شجُونْ
ماتَ عَهْدُ النُّواحْ – وزَمَانُ الجُنُونْ
وأَطَلَّ الصَّبَاحْ – مِنْ وراءِ القُرُونْ
في فِجاجِ الرَّدى – قَدْ دفنتُ الأَلمْ
ونثرتُ الدُّموعْ – لرِيَاحِ العَدَمْ
واتَّخذتُ الحَيَاةْ – معزفاً للنَّغَمْ
أَتغنَّى عليهْ – في رِحابِ الزَّمانْ
وأَذبتُ الأَسَى – في جمالِ الوُجُودْ
ودَحَوْتُ الفؤادْ – واحةً للنَّشيدْ
والضِّيا والظِّلالْ – والشَّذَى والورودْ
والهوى والشَّبابْ – والمنى والحَنانْ
اسكُني يا جراحْ – واسكُتي يا شُجونْ
ماتَ عَهْدُ النُّواحْ – وزَمَانُ الجُنُونْ
وأَطَلَّ الصَّبَاحْ – مِنْ وراءِ القُرُونْ
في فؤادي الرَّحيبْ – مَعْبَدٌ للجَمَالْ
شيَّدتْهُ الحَيَاةْ – بالرُّؤى والخَيالْ
فَتَلَوْتُ الصَّلاةْ – في خشوعِ الظِّلالْ
وحَرَقْتُ البُخُورْ – وأَضَأْتُ الشُّمُوعْ
إنَّ سِحْرَ الحَيَاةْ – خَالدٌ لا يزولْ
فَعَلامَ الشَّكَاةْ – مِنْ ظَلامٍ يَحُولْ
ثمَّ يأتي الصَّباحْ – وتَمُرُّ الفُصُولْ
سوف يأتي رَبيعْ – إن تقضَّى رَبيعْ
اسكُني يا جراحْ – واسكُتي يا شُجونْ
ماتَ عَهْدُ النُّواحْ – وزَمَانُ الجُنُونْ
وأَطَلَّ الصَّبَاحْ – مِنْ وراءِ القُرُونْ
مِنْ وراءِ الظَّلامْ – وهديرِ المياهْ
قَدْ دعاني الصَّباحْ – ورَبيعُ الحَيَاهْ
يا لهُ مِنْ دُعاءْ – هزَّ قلبي صَداهْ
لمْ يَعُدْ لي بقاءْ – فَوْقَ هذي البقاعْ
الْوَداعَ الوَداعْ – يا جِبَالَ الهُمومْ
يا ضَبابَ الأَسى – يا فِجاجَ الجحيمْ
قَدْ جرى زَوْرَقي – في الخِضَّمِ العَظيمْ
ونشرتُ القلاعْ – فالوَداعْ الوداعْ
أشعار أبو القاسم الشابي

أيدري الربع أي دم أراقا

أَيَدري الرَبعُ أَيَّ دَمٍ أَراقا – وَأَيَّ قُلوبِ هَذا الرَكبِ شاقا
لَنا وَلِأَهلِهِ أَبَدًا قُلوبٌ – تَلاقى في جُسومٍ ما تَلاقى
وَما عَفَتِ الرِياحُ لَهُ مَحَلًّا – عَفاهُ مَن حَدا بِهِمُ وَساقا
فَلَيتَ هَوى الأَحِبَّةِ كانَ عَدلًا – فَحَمَّلَ كُلَّ قَلبٍ ما أَطاقا
نَظَرتُ إِلَيهِمُ وَالعَينُ شَكرى – فَصارَت كُلُّها لِلدَمعِ ماقا
وَقَد أَخَذَ التَمامُ البَدرُ فيهِمْ – وَأَعطاني مِنَ السَقَمِ المُحاقا
وَبَينَ الفَرعِ وَالقَدَمَينِ نورٌ – يَقودُ بِلا أَزِمَّتِها النِياقا
وَطَرفٌ إِن سَقى العُشّاقَ كَأسًا – بِها نَقصٌ سَقانيها دِهاقا
وَخَصرٌ تَثبُتُ الأَبصارُ فيهِ – كَأَنَّ عَلَيهِ مِن حَدَقِ نِطاقا
سَلي عَن سيرَتي فَرَسي وَسَيفي – وَرُمحي وَالهَمَلَّعَةِ الدِفاقا
تَرَكنا مِن وَراءِ العيسِ نَجدًا – وَنَكَّبنا السَماوَةَ وَالعِراقا
فَما زالَت تَرى وَاللَيلُ داجٍ – لِسَيفِ الدَولَةِ المَلِكِ ائتِلاقا
أَدِلَّتُها رِياحُ المِسكِ مِنهُ – إِذا فَتَحَت مَناخِرَها انتِشاقا
أَباحَ الوحش يا وَحشُ الأَعادي – فَلِمْ تَتَعَرَّضينَ لَهُ الرِفاقا
وَلَو تَبَّعتِ ما طَرَحَت قَناهُ – لَكَفَّكِ عَن رَذايانا وَعاقا
وَلَو سِرنا إِلَيهِ في طَريقٍ – مِنَ النيرانِ لَم نَخَفِ احتِراقا
إِمامٌ للِائمَّةِ مِن قُرَيشٍ – إِلى مَن يَتَّقونَ لَهُ شِقاقا
يَكونُ لَهُمْ إِذا غَضِبوا حُسامًا – وَلِلهَيجاءِ حينَ تَقومُ ساقا
فَلا تَستَنكِرَنَّ لَهُ ابتِسامًا – إِذا فَهِقَ المَكَرُّ دَمًا وَضاقا
فَقَد ضَمِنَت لَهُ المُهَجَ العَوالي – وَحَمَّلَ هَمَّهُ الخَيلَ العِتاقا
إِذا أُنعِلنَ في آثارِ قَومٍ – وَإِن بَعُدوا جَعَلنَهُمُ طِراقا
وَإِن نَقَعَ الصَريخُ إِلى مَكانٍ – نَصَبنَ لَهُ مُؤَلَّلَةً دِقاقا
فَكانَ الطَعنُ بَينَهُما جَوابًا – وَكانَ اللَبثُ بَينَهُما فُواقا
مُلاقِيَةً نَواصيها المَنايا – مُعَوَّدَةً فَوارِسُها العِناقا
تَبيتُ رِماحُهُ فَوقَ الهَوادي – وَقَد ضَرَبَ العَجاجُ لَها رِواقا
تَميلُ كَأَنَّ في الأَبطالِ خَمرًا – عُلِلنَ بِها اصطِباحًا وَاغتِباقا
تَعَجَّبَتِ المُدامُ وَقَد حَساها – فَلَم يَسكَر وَجادَ فَما أَفاقا
أَقامَ الشِعرُ يَنتَظِرُ العَطايا – فَلَمّا فاقَتِ الأَمطارَ فاقا
وَزَنّا قيمَةَ الدَهماءِ مِنهُ – وَوَفَّينا القِيانَ بِهِ الصَداقا
وَحاشا لِارتِياحِكَ أَن يُبارى – وَلِلكَرَمِ الَّذي لَكَ أَن يُباقى
وَلَكِنّا نُداعِبُ مِنكَ قَرمًا – تَراجَعَتِ القُرومُ لَهُ حِقاقا
فَتىً لا تَسلُبُ القَتلى يَداهُ – وَيَسلُبُ عَفوُهُ الأَسرى الوَثاقا
وَلَم تَأتِ الجَميلَ إِلَيَّ سَهوًا – وَلَم أَظفَر بِهِ مِنكَ استِراقا
فَأَبلِغ حاسِدِيَّ عَلَيكَ أَنّي – كَبا بَرقٌ يُحاوِلُ بي لَحاقا
وَهَل تُغني الرَسائِلُ في عَدوٍّ – إِذا ما لَم يَكُنَّ ظُبًا رِقاقا
إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُمْ لَبيبٌ – فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا
فَلَم أَرَ وُدَّهُمْ إِلّا خِداعًا – وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا
يُقَصِّرُ عَن يَمينِكَ كُلُّ بَحرٍ – وَعَمّا لَم تُلِقهُ ما أَلاقا
وَلَولا قُدرَةُ الخَلّاقِ قُلنا – أَعَمدًا كانَ خَلقُكَ أَم وِفاقا
فَلا حَطَّت لَكَ الهَيجاءُ سَرجًا – وَلا ذاقَت لَكَ الدُنيا فِراقا
أبيات شعر أبو الطيب المتنبي