ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ

ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ حَبيبُ الظَّلامِ، عَدوُّ الحياهْ
سَخَرْتَ بأنّاتِ شَعْبٍ ضَعيفٍ وكفُّكَ مخضوبة ُ من دِماهُ
وَسِرْتَ تُشَوِّه سِحْرَ الوجودِ وتبذرُ شوكَ الأسى في رُباهُ
رُوَيدَكَ! لا يخدعنْك الربيعُ وصحوُ الفَضاءِ، وضوءُ الصباحْ
ففي الأفُق الرحب هولُ الظلام وقصفُ الرُّعودِ، وعَصْفُ الرِّياحْ
حذارِ! فتحت الرّمادِ اللهيبُ ومَن يَبْذُرِ الشَّوكَ يَجْنِ الجراحْ
تأملْ! هنالِكَ.. أنّى حَصَدْتَ رؤوسَ الورى ، وزهورَ الأمَلْ
ورَوَيَّت بالدَّم قَلْبَ التُّرابِ وأشْربتَه الدَّمعَ، حتَّى ثَمِلْ
سيجرفُكَ السيلُ، سيلُ الدماء ويأكلُك العاصفُ المشتعِلْ

أَزَنْبَقَة َ السفْح! مالي أراكِ

أَزَنْبَقَة َ السفْح! مالي أراكِ تَعَانِقُكِ اللَّوْعة ُ القَاسِيه؟
أفي قَلْبكِ الغضِّ صوتُ اللهيب، يرتِّل أُنْشُودَة َ الهاويهْ؟
أَأَسْمَعَكِ اللَّيلُ نَدْبَ القُلوبِ أأرشفكِ الفجرُ كأسَ الأسى ؟
أَصَبَّ عليكِ شُعَاعُ الغروبِ نجيعَ الحياة ، ودمعَ المسا؟
أأوقفكَ الدهرُ حيث يُفجِّـ ـرُ نوحُ الحياة صُدوعَ الصدور؟
وَيَنبَثِقُ الليل طيفاً، كئيباً رهيباً، ويخفقُ حُزْنُ الدهورْ؟
إذا أضرتكِ أغاني الظلامِ فقد عذَّبَتْني أغاني الوجومْ
وإن هجرتكِ بناتُ الغيوم فقد عانَقَتْني بناتُ الجَحيمْ
وإنْ سَكَبَ الدَّهْرُ في مِسمِعيْكِ نَحِيبَ الدُّجَى ، وأنينَ الأملْ
فقد أجّجَ الدهرُ في مُهْجتي شُواظاً من الحَزَن المشتعل
وإن أرشفتْكِ شفاهُ الحياة رُضابَ الأسى ، ورحيقَ الألم
فإنِّي تجرّعتُ من كفِّها كُؤوساً، مؤجَّجة ً، تَضْطَرِمْ
أصيخي! فما بين أعشار قلبي يرِفّ صدى نوحِكِ الخافت
معيداً على مهجتي بحفيف جَنَاحَيْهِ صَوْتَ الأسى المائتِ
وقد أترع الليلُ بالحب كأسى وشعشعها بلهيب الحياة
وجرّعني من ثُمالاتِه مرارة َ حُزْنٍ، تُذيبُ الصَّفاة ْ
إليَّ! فقد وحّدت بيننا قَسَاوة ُ هذا الزّمان الظَّلُومْ
فقد فَجَّرتْ فيَّ هذي الكُلومَ كما فجّرت فيكِ تلك الكلوم
وإنْ جَرَفَتْنِي أكفُّ المنونِ اللحْد، أو سحقتكِ الخُطوبْ
فَحُزْني وَحُزْنُكِ لا يَبْرَحَانِ ألِيفيْنِ رغمَ الزّمان العَصيبْ
وتحت رواقِ الظَّلامِ الكَئيبِ إذا شملَ الكونَ روحُ السحَرْ
سيُسمَع صوتٌ، كلحن شجيٍّ تطايَرَ من خَفَقات الوترْ
يردِّدُه حُزنُنا في سكون على قبرنا، الصّامتِ المطمئن
فَنَرقُد تَحْتَ التُّرابِ الأصمِّ جميعاً على نَغَمَاتِ الحَزَنْ

من حديث الشيوخ

من حديث الشيوخ
وتطهرَ أروحنا في الحياة ِ بنارِ الأسى …
اللَّيْلِ، فِي تِلْكَ النَّوَاحي وتلك الأغاني، وذاك النشيدْ ؟
بَعْدَ إضْرَامِ الكِفَاحِ
يسمعُ الأحزانَ تبكي وقال ليَ الغابُ في رقَّة ٍ
سَعْيَ غَيْدَاءَ، رَدَاحِ
ألماً علمني كرهَ الحياة ْ
وتربدُّ تلكَ الوجوهُ الصباحُ فَرَنَتْ نَحْوَ جَلاَلِ الكَوْ
وضياءٍ، وظلالٍ، ودجى ،
وهل ينطفي في النفوسِ الحنينُ وانقِبَاضٍ، وانْشِرَاحِ
وفتنة َ هذا الوجودِ الأغَرْ» والهمومْ
في دولة ِ الأَنْصَابِ والأَلقابِ»
أيامَ كانتْ للحياة ِ حلاوة ُ الروضِ المطيرْ
غُدُوٍ، وَرُوَاحِ من الكون ـ وهو المقيم الأبيدْ ـ ؟
أخرسَ العصفورَ عني،
يَهْجَعُ الكَوْنُ، في طمأنينة ِ الْعُصْـ
نِ، جَوْنَاءُ اللِّيَاحِ نظامٌ، دقيقٌ، بديعٌ، فريدْ
ههنا، تمشي الأماني، والهوى ، والأسى ، في موكبٍ فخمِ النشيدْ
ولولا شقاءُ الحياة ِ الأليمِ
وبدرٌ يضيءُ ، وغيمٌ يجودْ ؟
ضمَّتِ الميْتَ تلكَ الحُفرْ» وسلامهْ
«ظمئتُ إلى الكون! أين الوجودُ
نَحْوَ رَبّاتِ الجَنَاحِ كأنّ صدَاها زئيرُ الأسودْ
فَاحْتَسَتْ خَمْرَ نَدَى الدَّا
لوعة ُ اليومِ، فتبكي وتئنُّ لشقاها
إنَّمَا الدَّهْرُ وَمِيثَا كما تنثرُ الوردَ ريحٌ شرودْ
ـسِ فِي العَرْشِ الفُسَاحِ وعيشٍ، غضيرٍ، رخيٍّ، رغيدْ ؟

والضجر

والضَّجَرْ أيُّ طَيْر
لَيْتَ شِعْري!
يَسْمَعُ الأَحْزَانَ تَبْكِي
وذا جنونٌ ، لعمري، كلهُ جزعٌ حَاكُوا لَكُمْ ثَوْبَ عِزٍّ
فَأَرى صَوْتي فَرِيدْ! يهيجُ فيها غبارا
تبقي الأديبَ حمارا
قد كبلَ القدرُ الضاري فرائسهْ فما استطاعوا له دفعاً، ولا حزروا
لا يعرفُ المرءُ منها ليلاً رأى أمْ نهارا
يخالُ كلَّ خيالٍ
ـنوى قلى ً، وصغارا
لبستم الجهلَ ثوباً تخذتموهُ شعارا
كَالكَسِيرْ؟ قطنتمُ الجهلَ دارا ؟
لَسْتُ أدري
خلعتموهُ احتقارا
يا ليتَ قومي أصاخوا لما أقولُ جهارا
وَأَعْقَبَتْهُمْ خُمَارا كالموتِ، لكنْ إليها الوردُ والصدرُ
يا شعرُ! أسمعتَ لكنْ
فلا تبالِ إذا ما أعطوا نداكَ ازورارا

عش بالشعور وللشعور فإنما

عِشْ بالشُّعورِ وللشُّعورِ فإنَّما – دُنْياكَ كونُ عواطفٍ وشعورِ
شِيدَتْ على العَطْفِ العميقِ وإنَّها – لَتَجِفُّ لو شِيدَتْ على التَّفْكيرِ
وتَظَلُّ جامِدَةَ الجمالِ كئيبةً – كالهيكلِ المتهدِّم المهجورِ
وتَظَلُّ قاسيَةَ الملامِحِ جهْمةً – كالموتِ مُقْفِرَةً بغيرِ سُرورِ
لا الحُبُّ يرقُصُ فوقها متغنِّياً – للنَّاس بَيْنَ جداولٍ وزُهورِ
مُتَوَرِّدَ الوجناتِ سَكرانَ الخطى – يهتزُّ من مَرَحٍ وفَرْطِ حُبورِ
متكلِّلاً بالورْدِ ينثرُ للورى – أَوراقَ وردِ اللَّذّةِ المنضُورِ
كلاّ ولا الفنُّ الجميلُ بظاهرٍ – في الكونِ تحتَ غَمامةٍ من نُورِ
متَوشِّحاً بالسِّحْرِ ينفُخُ نايَهُ – المشبوبَ بَيْنَ خمائلٍ وغديرِ
أَو يلمسُ العودَ المقدَّسَ واصفاً – للموت للأَيَّامِ للدَّيجورِ
مَا في الحَيَاةِ من المسرَّةِ والأَسى – والسِّحْر واللَّذّاتِ والتغريرِ
أَبداً ولا الأَملُ المجنَّحُ منْشِداً – فيها بصوتِ الحالمِ المَحْبُورِ
تِلْكَ الأَناشيدَ التي تَهَبُ الوَرَى – عزْمَ الشَّبابِ وغِبْطَةَ العُصفورِ
واجعل شُعورَكَ في الطَّبيعَةِ قائداً – فهوَ الخبيرُ بتيهِهَا المَسْحُورِ
صَحِبَ الحياةَ صغيرةً ومشى بها – بَيْنَ الجماجمِ والدَّمِ المَهْدورِ
وعَدَا بها فوقَ الشَّواهِقِ باسماً – متغنِّياً مِنْ أَعْصُرِ ودُهورِ
والعقلُ رغْمَ مشيبهِ ووقَارِهِ – مَا زالَ في الأَيَّامِ جِدّ صغيرِ
يمشي فَتَضْرَعُهُ الرِّياحُ فيَنْثَني – متَوَجِّعاً كالطَّائرِ المكسورِ
ويظلُّ يسأَلُ نفسه متفلسفاً – متَنَطِّساً في خفَّةٍ وغُرورِ
عمَّا تحجِّبُهُ الكَواكبُ خلفَها – مِنْ سِرِّ هذا العالَم المستورِ
وهو المهشَّمُ بالعواصفِ يا له – مِنْ ساذجٍ متفلسفٍ مغرور
وافتحْ فؤادكَ للوجودِ وخَلِّه – لليَمِّ للأَمواجِ للدَّيجور
للثَّلجِ تنثُرُهُ الزَّوابعُ للأسى – للهَوْلِ للآلامِ للمقدور
واتركْهُ يقتحِمُ العواصفَ هائماً – في أُفْقِها المتلبِّدِ المقرورِ
ويخوضُ أَحشاءَ الوُجُود مُغامِراً – في ليلها المتهيِّبِ المحذورِ
حتَّى تُعانِقَهُ الحَيَاةُ ويرتوي – من ثَغْرِها المتأجِّج المَسْجُورِ
فتعيشَ في الدُّنيا بقلبٍ زاخرٍ – يقظِ المشاعرِ حالمٍ مسحورِ
في نشوةٍ صوفيَّةٍ قُدُسيَّةٍ – هي خيرُ مَا في العالِمِ المنظورِ
أبيات شاعر الخضراء أبو القاسم الشابي

والشَّقَا لَوْ تَرَفَّقَا

والشَّقَا لَوْ تَرَفَّقَا
فيصبحُ ما قد شيد اللهُ والورى خراباً، كأنّ الكلَّ في أمسهِ وهمُ !
ما قدسَ المثلَ الأعلى وجملهُ
عوائدُ تُحيي في البلاد نوائباً
تَضُجُّ، وها إنّ الفَضاءَ مَآثِمُ
ثُمَّ مِنْ وَصْلِهِ الجَمِيـ وغام الفضا فأينَ بروقكْ ؟
” أيها الطائرُ الكئيبُ تغردْ وطرفُهُ يَرْمُقُ النَّجْمَ
” وأجبني فدتْكَ نفسيَ ـ ماذا ؟
حتى تحركت السنون، وأقبلتْ فتنُ الحياة ِ بسحرها الفتانِ
يُصوِّبها نَحْوَ الدِّيانَة ِ ظَالِمُ حتى إذا ما توارى عنهمُ ندموا !
ـان جمٌ أحزانُهُ وهمومُهْ “
” خذ الحياة َ كما جاءتْك مبتسماً في كفها، الغارُ أو في كفها العدمُ “
وغادة ُ الحبِّ ثكلى ، لا تغنيني
فمنْ تألمَ لمْ ترحمْ مضاضتهُ
وسحاباً منَ الرؤى ، يتهادى
ـقِ تراباً إلى صميمِ الوادي
تَقُول واللَّيل سَاجٍ
” واقطفِ الوردَ من خدودي، وجيدي يا قلبُ نَهْنِهْ دموعَ
وأمانيَّ، يغرقُ الدمعُ أحلاها، صَارَ ذا جِنَّة ٍ بِهِ
عبقرُّ السحرِ، ممراحٌ وديعٌ في سماهْ
وانسَ في الحياة َ ..، فالعمرُ قفرٌ، مرعبٌ إنْ ذوى وجفّ نعيمهْ “
ـي مسراتها، ويبقي أساها
كَمْ قُلُوبٍ تَفَطَّرَتْ
نَاحَتْ عَليهِ فتاة ٌ: نَ بلْ لبُّ فنها وصميمهْ”
ليتني لم يعانقِ الفجْرُ أحلامي،
فرماها بنظرة ٍ، غشيتها والقبرُ مصغٍ إليها:
نحوَ السماءِ، وها أنا في الأرضِ تمثالُ الشجونْ
ولربّ صبحٍ غائمٍ، متحجبٍ في كلة ٍ من زعزعٍ وغمامِ
جفتْ به أمواجُ ذياك الغرامِ الآفلِ