| أمَا في هَذِهِ الدّنْيَا كَرِيمُ | تَزُولُ بِهِ عنِ القَلبِ الهُمومُ |
| أمَا في هَذِهِ الدّنْيَا مَكَانٌ | يُسَرّ بأهْلِهِ الجارُ المُقيمُ |
| تَشَابَهَتِ البَهَائِمُ وَالعِبِدّى | عَلَيْنَا وَالمَوَالي وَالصّميمُ |
| وَمَا أدري إذَا داءٌ حَديثٌ | أصَابَ النّاسَ أمْ داءٌ قَديمُ |
| حَصَلتُ بأرْضِ مِصرَ على عَبيدٍ | كَأنّ الحُرّ بَينَهُمُ يَتيمُ |
| كَأنّ الأسْوَدَ اللابيّ فيهِمْ | غُرَابٌ حَوْلَهُ رَخَمٌ وَبُومُ |
| أخَذْتُ بمَدْحِهِ فَرَأيْتُ لَهْواً | مَقَالي لِلأُحَيْمِقِ يا حَليمُ |
| وَلمّا أنْ هَجَوْتُ رَأيْتُ عِيّاً | مَقَاليَ لابنِ آوَى يا لَئِيمُ |
| فَهَلْ مِنْ عاذِرٍ في ذا وَفي ذا | فَمَدْفُوعٌ إلى السّقَمِ السّقيمُ |
| إذا أتَتِ الإسَاءَةُ مِنْ وَضِيعٍ | وَلم ألُمِ المُسِيءَ فَمَنْ ألُومُ |
أبو الطيب المتنبي
أبو الطيب المتنبي و إسمه أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي ولقبه شاعر العرب المتنبي من شعراء العصر العباسي, ولد في الكوفة و توفي في النعمانية.
يذكرني فاتكا حلمه
| يُذكّرُني فاتِكاً حِلْمُهُ | وَشَيْءٌ مِنَ النّدّ فيهِ اسمُهُ |
| وَلَسْتُ بِنَاسٍ وَلَكِنّني | يُجَدّدُ لي رِيحَهُ شَمُّهُ |
| وَأيَّ فَتىً سَلَبَتْني المَنُو | نُ لم تَدْرِ ما وَلَدَتْ أُمُّهُ |
| وَلا مَا تَضُمّ إلى صَدْرِهَا | وَلَوْ عَلِمَتْ هالَهَا ضَمُّهُ |
| بمِصْرَ مُلُوكٌ لَهُمْ مَالُهُ | وَلَكِنّهُمْ مَا لَهُمْ هَمُّهُ |
| فأجْوَدُ منْ جُودِهِمْ بُخلُهُ | وَأحْمَدُ مِنْ حَمْدِهِمْ ذَمُّهُ |
| وَأشرَفُ مِنْ عَيْشِهِمْ مَوْتُهُ | وَأنْفَعُ مِنْ وَجْدِهِمْ عُدْمُهُ |
| وَإنّ مَنِيّتَهُ عِنْدَهُ | لَكالخَمْرِ سُقّيَهُ كَرْمُهُ |
| فذاكَ الذي عَبَّهُ مَاؤهُ | وَذاكَ الذي ذاقَهُ طَعْمُهُ |
| وَمَن ضاقَتِ الأرْضُ عَنْ نَفسه | حَرًى أن يَضِيقَ بها جِسمُهُ |
حتام نحن نساري النجم في الظلم
| حَتّامَ نحنُ نُساري النّجمَ في الظُّلَمِ | ومَا سُرَاهُ على خُفٍّ وَلا قَدَمِ |
| وَلا يُحِسّ بأجْفانٍ يُحِسّ بهَا | فقْدَ الرّقادِ غَريبٌ باتَ لم يَنَمِ |
| تُسَوِّدُ الشّمسُ منّا بيضَ أوْجُهِنَا | ولا تُسَوِّدُ بِيضَ العُذرِ وَاللِّمَمِ |
| وَكانَ حالهُمَا في الحُكْمِ وَاحِدَةً | لوِ احتَكَمْنَا منَ الدّنْيا إلى حكَمِ |
| وَنَترُكُ المَاءَ لا يَنْفَكّ من سَفَرٍ | ما سارَ في الغَيمِ منهُ سارَ في الأدَمِ |
| لا أُبْغِضُ العِيسَ لكِني وَقَيْتُ بهَا | قلبي من الحزْنِ أوْ جسمي من السّقمِ |
| طَرَدتُ من مصرَ أيديهَا بأرْجُلِهَا | حتى مَرَقْنَ بهَا من جَوْشَ وَالعَلَمِ |
| تَبرِي لَهُنّ نَعَامُ الدّوّ مُسْرَجَةً | تعارِضُ الجُدُلَ المُرْخاةَ باللُّجُمِ |
| في غِلْمَةٍ أخطَرُوا أرْوَاحَهُم وَرَضُوا | بمَا لَقِينَ رِضَى الأيسارِ بالزَّلَمِ |
| تَبدو لَنَا كُلّمَا ألْقَوْا عَمَائِمَهمْ | عَمَائِمٌ خُلِقَتْ سُوداً بلا لُثُمِ |
| بِيضُ العَوَارِضِ طَعّانُونَ من لحقوا | مِنَ الفَوَارِسِ شَلاّلُونَ للنَّعَمِ |
| قد بَلَغُوا بقَنَاهُمْ فَوْقَ طاقَتِهِ | وَلَيسَ يَبلُغُ ما فيهِمْ منَ الهِمَمِ |
| في الجاهِلِيّةِ إلاّ أنّ أنْفُسَهُمْ | من طيبِهِنّ به في الأشْهُرِ الحُرُمِ |
| نَاشُوا الرّماحَ وَكانتْ غيرَ ناطِقَةٍ | فَعَلّمُوها صِياحَ الطّيرِ في البُهَمِ |
| تَخدي الرّكابُ بنَا بِيضاً مَشافِرُهَا | خُضراً فَرَاسِنُهَا في الرُّغلِ وَاليَنمِ |
| مَكْعُومَةً بسِياطِ القَوْمِ نَضْرِبُها | عن منبِتِ العشبِ نبغي منبتَ الكرَمِ |
| وَأينَ مَنْبِتُهُ مِنْ بَعدِ مَنْبِتِهِ | أبي شُجاعٍ قريعِ العُرْبِ وَالعَجَمِ |
| لا فَاتِكٌ آخَرٌ في مِصرَ نَقْصِدُهُ | وَلا لَهُ خَلَفٌ في النّاسِ كُلّهِمِ |
| مَنْ لا تُشابِهُهَ الأحيْاءُ في شِيَمٍ | أمسَى تُشابِهُهُ الأمواتُ في الرِّمَمِ |
| عَدِمْتُهُ وَكَأنّي سِرْتُ أطْلُبُهُ | فَمَا تَزِيدُني الدّنيا على العَدَمِ |
| ما زِلْتُ أُضْحِكُ إبْلي كُلّمَا نظرَتْ | إلى مَنِ اختَضَبَتْ أخفافُها بدَمِ |
| أُسيرُهَا بَينَ أصْنامٍ أُشَاهِدُهَا | وَلا أُشَاهِدُ فيها عِفّةَ الصّنَمِ |
| حتى رَجَعْتُ وَأقْلامي قَوَائِلُ لي | ألمَجْدُ للسّيفِ لَيسَ المَجدُ للقَلَمِ |
| أُكْتُبْ بِنَا أبَداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ | فإنّمَا نحنُ للأسْيَافِ كالخَدَمِ |
| أسْمَعْتِني وَدَوَائي ما أشَرْتِ بِهِ | فإنْ غَفَلْتُ فَدائي قِلّةُ الفَهَمِ |
| مَنِ اقتَضَى بسِوَى الهِنديّ حاجَتَهُ | أجابَ كلَّ سُؤالٍ عَن هَلٍ بلَمِ |
| تَوَهّمَ القَوْمُ أنّ العَجزَ قَرّبَنَا | وَفي التّقَرّبِ ما يَدْعُو إلى التُّهَمِ |
| وَلمْ تَزَلْ قِلّةُ الإنصَافِ قاطِعَةً | بَين الرّجالِ وَلَوْ كانوا ذوي رَحِمِ |
| فَلا زِيارَةَ إلاّ أنْ تَزُورَهُمُ | أيدٍ نَشَأنَ مَعَ المَصْقُولَةِ الخُذُمِ |
| من كُلّ قاضِيَةٍ بالمَوْتِ شَفْرَتُهُ | مَا بَينَ مُنْتَقَمٍ مِنْهُ وَمُنْتَقِمِ |
| صُنّا قَوَائِمَهَا عَنهُمْ فَما وَقَعَتْ | مَوَاقِعَ اللّؤمِ في الأيْدي وَلا الكَزَمِ |
| هَوّنْ عَلى بَصَرٍ ما شَقّ مَنظَرُهُ | فإنّمَا يَقَظَاتُ العَينِ كالحُلُمِ |
| وَلا تَشَكَّ إلى خَلْقٍ فَتُشْمِتَهُ | شكوَى الجريحِ إلى الغِرْبانِ وَالرَّخَمِ |
| وَكُنْ عَلى حَذَرٍ للنّاسِ تَسْتُرُهُ | وَلا يَغُرَّكَ مِنهُمْ ثَغْرُ مُبتَسِمِ |
| غَاضَ الوَفَاءُ فَما تَلقاهُ في عِدَةٍ | وَأعوَزَ الصّدْقُ في الإخْبارِ وَالقَسَمِ |
| سُبحانَ خالِقِ نَفسي كيفَ لذّتُها | فيما النّفُوسُ تَراهُ غايَةَ الألَمِ |
| ألدّهْرُ يَعْجَبُ من حَمْلي نَوَائِبَهُ | وَصَبرِ نَفْسِي على أحْداثِهِ الحُطُمِ |
| وَقْتٌ يَضيعُ وَعُمرٌ لَيتَ مُدّتَهُ | في غَيرِ أُمّتِهِ مِنْ سالِفِ الأُمَمِ |
| أتَى الزّمَانَ بَنُوهُ في شَبيبَتِهِ | فَسَرّهُمْ وَأتَينَاهُ عَلى الهَرَمِ |
قد صدق الورد في الذي زعما
| قَد صَدَقَ الوَرْدُ في الذي زَعَمَا | أنّكَ صَيّرْتَ نَثْرَهُ دِيَمَا |
| كأنّمَا مائِجُ الهَوَاءِ بِهِ | بَحْرٌ حَوَى مِثلَ مائِهِ عَنَمَا |
| نَاثِرُهُ النّاثِرُ السّيُوفَ دَمَا | وَكُلَّ قَوْلٍ يَقُولُهُ حِكَمَا |
| وَالخَيْلَ قَد فَصّلَ الضّياعَ بهَا | وَالنِّعَمَ السّابِغاتِ وَالنِّقَمَا |
| فَلْيُرِنَا الوَرْدُ إنْ شَكَا يَدَهُ | أحسَنَ منهُ من جُودِها سَلِمَا |
| فَقُلْ لهُ لَستَ خَيرَ ما نَثَرَتْ | وَإنّمَا عَوّذَتْ بكَ الكَرَمَا |
| خَوْفاً منَ العَينِ أنْ يُصَابَ بهَا | أصَابَ عَيْناً بها يُصَابُ عَمَى |
نزور ديارا ما نحب لها مغنى
| نَزُورُ دِياراً ما نُحِبّ لهَا مَغْنى | وَنَسْألُ فيها غَيرَ ساكِنِهَا الإذْنَا |
| نَقُودُ إلَيْهَا الآخِذاتِ لَنَا المَدَى | عَلَيْهَا الكُماةُ المُحْسِنونَ بها ظَنّا |
| وَنُصْفي الذي يُكنى أبا الحسنِ الهَوَى | وَنُرْضِي الذي يُسمى الإل?هَ وَلا يُكنى |
| وَقَدْ عَلِمَ الرّومُ الشّقِيّونَ أنّنَا | إذا ما تَرَكْنا أرْضَهُمْ خلفَنا عُدْنَا |
| وَأنّا إذا ما المَوْتُ صَرّحَ في الوَغَى | لبِسنا إلى حاجاتِنا الضّرْبَ والطّعْنَا |
| قَصَدْنَا لَهُ قَصْدَ الحَبيبِ لِقاؤهُ | إلَيْنَا وَقُلْنَا للسّيُوفِ هَلُمّنَّا |
| وَخَيْلٍ حَشَوْنَاهَا الأسِنّةَ بَعدَمَا | تكَدّسنَ من هَنّا عَلَيْنَا وَمن هَنّا |
| ضُرِبنَ إلَيْنَا بالسّياطِ جَهَالَةً | فَلَمّا تَعَارَفْنَا ضُرِبنَ بهَا عَنّا |
| تَعَدَّ القُرَى وَالْمُسْ بنا الجيشَ لمسةً | نُبَارِ إلى ما تَشتَهي يَدَكَ اليُمْنى |
| فَقَدْ بَرَدَتْ فَوْقَ اللُّقَانِ دِماؤهمْ | وَنحنُ أُنَاسٌ نُتْبِعُ البارِدَ السُّخنَا |
| وَإنْ كنتَ سَيفَ الدوْلَةِ العَضْبَ فيهمِ | فدَعنا نكنْ قبل الضّرابِ القنا اللُّدنَا |
| فنَحنُ الأُلى لا نَأتَلي لكَ نُصرَةً | وَأنْتَ الذي لَوْ أنّهُ وَحْدَهُ أغنى |
| يَقيكَ الرّدَى مَن يَبْتَغي عندك العُلى | وَمَن قال لا أرْضَى من العيش بالأدنَى |
| فلَوْلاكَ لم تَجرِ الدّماءُ وَلا اللُّهَى | وَلم يَكُ للدّنْيا وَلا أهلِها مَعْنى |
| وَمَا الخَوْفُ إلاّ مَا تَخَوّفَهُ الفَتى | وَمَا الأمْنُ إلاّ ما رآهُ الفَتى أمْنَا |
ثياب كريم ما يصون حسانها
| ثيَابُ كَرِيمٍ ما يَصُونُ حِسَانَهَا | إذا نُشِرَتْ كانَ الهِباتُ صِوَانَهَا |
| تُرِينَا صَنَاعُ الرّومِ فيهَا مُلُوكَهَا | وَتَجْلُو عَلَيْنَا نَفْسَها وَقِيانَهَا |
| وَلم يَكفِهَا تَصْوِيرُها الخَيْلَ وَحدَها | فَصَوّرَتِ الأشْيَاءَ إلاّ زَمانَهَا |
| وَمَا ادّخَرَتْهَا قُدْرَةً في مُصَوِّرٍ | سِوَى أنّهَا مَا أنْطَقَتْ حَيَوَانَهَا |
| وَسَمْرَاءُ يَسْتَغْوي الفَوَارِسَ قدُّها | وَيُذْكِرُهَا كَرّاتِهَا وَطِعَانَهَا |
| رُدَيْنِيّةٌ تَمّتْ وَكادَ نَبَاتُهَا | يُرَكِّبُ فِيهَا زُجَّهَا وَسِنَانَهَا |
| وَأُمُّ عَتِيقٍ خالُهُ دُونَ عَمّهِ | رَأى خَلْقَهَا مَنْ أعْجَبَتْهُ فعانَهَا |
| إذا سَايَرَتْهُ بَايَنَتْهُ وَبَانَهَا | وَشانَتْهُ في عَينِ البَصِيرِ وَزانَهَا |
| فأينَ التي لا تأمَنُ الخَيلُ شَرَّهَا | وَشَرّيَ لا تُعطي سِوايَ أمَانَهَا |
| وَأينَ التي لا تَرْجعُ الرّمْحَ خائِباً | إذا خَفَضَتْ يُسرَى يَدَيّ عِنانَهَا |
| وَمَا لي ثَنَاءٌ لا أرَاكَ مَكَانَهُ | فهَلْ لكَ نُعْمَى لا تَراني مكانَهَا |